مجد الدين ابن الأثير

363

المختار من مناقب الأخيار

الأنس باللّه قطع عنّي كلّ وحشة حتى لو كنت بين السّباع ما خفتها ، ولا استوحشت منها . قلت : فمن أين تأكل ؟ فقال : الذي غذّاني في ظلمة الأحشاء والأرحام صغيرا قد تكفّل برزقي كبيرا . قلت : ففي أيّ وقت تجيئك الأسباب ؟ قال : لي حدّ معلوم ، ووقت مفهوم ، إذا احتجت إلى الطعام أصبته في أيّ موضع كنت ، وقد علم ما يصلحني ، وهو غير غافل عنّي . قلت : ألك حاجة ؟ قال : نعم . قلت : وما هي ؟ قال : إن رأيتني فلا تكلّمني ، ولا تعلم أحدا أنّك تعرفني . قلت : لك ذلك ، فهل حاجة غيرها ؟ قال : نعم . قلت : وما هي ؟ قال : إن استطعت أن لا تنساني في دعائك ، وعند الشدائد إذا نزلت بك فافعل . قلت : كيف يدعو مثلي لمثلك ؟ وأنت أفضل منّي خوفا وتوكّلا ! قال : لا تقل هذا ، إنّك قد صلّيت للّه عزّ وجلّ ، وصمت قبلي ، ولك حقّ الإسلام ، ومعرفة الإيمان . قلت : فإنّ لي أيضا حاجة . قال : وما هي ؟ قلت : ادع اللّه لي . فقال : حجب اللّه طرفك عن كلّ معصية ، وألهم « 1 » قلبك الفكر فيما يرضيه حتى لا يكون لك همّ إلّا هو . قلت : يا حبيبي ، متى ألقاك ؟ وأين أطلبك ؟ فقال : أمّا في الدّنيا فلا تحدّث نفسك بلقائي فيها . وأمّا الآخرة فإنّها مجمع المتّقين ، فإيّاك أن تخالف اللّه فيما أمرك وندبك إليه . وإن كنت تبغي لقائي فاطلبني مع النّاظرين إلى اللّه تبارك وتعالى في زمرتهم . قلت : وكيف علمت ذاك ؟ قال : علمت ذاك بغضّ « 2 » طرفي له عن كلّ محرّم ، واجتنابي فيه كلّ منكر ومأثم ، وقد سألته أن يجعل جنّتي النظر إليه . ثم صاح وأقبل يسعى حتى غاب عن بصري « 3 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * *

--> ( 1 ) في ( ب ) : « وألزم قلبك » . ( 2 ) في ( أ ) : « وكيف ذاك ؟ قال : بغضّ . . . » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 403 .